واقع الحال، الاختلالات المؤسسية والآفاق
منذ الاستقلال، أطلقت الجزائر برامج غابية كبرى متعددة: السد الأخضر في سبعينيات القرن الماضي، والمخطط الوطني لإعادة التشجير الذي انطلق سنة 2000، ثم انطلاقة جديدة لسياسات الترميم البيئي منذ سنة 2021. على الورق، الطموح حقيقي. أما في الواقع، فإن أحدث ملفاتنا التحقيقية يُظهر فجوة مقلقة بين المساحات المُعلن عنها والحالة الإيكولوجية الفعلية للمساحات الغابية.
يقدّم هذا التقرير معاينة صريحة لا مواربة فيها: من أصل أكثر من مليون هكتار استهدفها المخطط الوطني لإعادة التشجير وحده، غُرس فعليًا نحو نصف هذه المساحة فقط، وحتى ضمن هذه الغراسات، تبقى نسبة البقاء على قيد الحياة متفاوتة جدًا حسب المناطق. أما السد الأخضر، فرغم عقود من الجهد، فضّل طويلًا عدد الهكتارات المغروسة على حساب المتابعة والصيانة وتنوع الأصناف، وهو خيار تقني أضعف الغطاء النباتي أمام الحرائق والأمراض.
وتحتل الحرائق، تحديدًا، مكانة محورية في هذا التحليل. فمن 2020 إلى 2024، التهمت النيران عشرات الآلاف من الهكتارات كل سنة، بحصيلة بشرية ثقيلة بلغت أكثر من 100 قتيل في سنة 2021 وحدها. ويوثّق ملفنا كيف ظلت استجابة السلطات لفترة طويلة مركّزة على فرضية الفعل الإجرامي، على حساب سياسة وقاية حقيقية: صيانة المساحات الغابية، المراقبة المبكرة، إنشاء قواطع الوقود. وتُظهر حرائق يوليو 2026، التي طالت أكثر من ثلاثين ولاية في آن واحد، أن هذا العجز البنيوي لا يزال قائمًا رغم تعزيز الوسائل الجوية منذ 2021.
وتُجسّد حالة الحديقة الوطنية للقالة وحدها هذا التناقض: منطقة رطبة مصنّفة ذات أهمية دولية، اخترقها مع ذلك الطريق السيار شرق-غرب، الذي دمّر بشكل لا رجعة فيه جزءًا من أثمن نظمها البيئية.
ولا يكتفي هذا التقرير بالنقد: فهو يحدد خمسة اختلالات بنيوية ويشير إلى مخرج ممكن: إشراك السكان المحليين والمجتمع المدني فعليًا في حوكمة الغابات، بدل معاملتهم كمجرد مستخدمين يجب ضبطهم.
اقرأوا التقرير الكامل أدناه: «السياسات الحكومية لإدارة الغابات في الجزائر — واقع الحال، الاختلالات المؤسسية والآفاق» (يوليو 2026)
تشكّل الغابة الجزائرية إرثًا طبيعيًا استراتيجيًا رغم مساحتها المحدودة، المتركزة أساسًا في المناطق الجبلية وسلسلة التل في الشمال. وتؤدي وظائف أساسية بالنسبة للبلاد: حماية التربة، مكافحة التآكل والتصحر، الحفاظ على التنوع البيولوجي، تنظيم الدورة المائية، ودعم الأنشطة الريفية.
منذ الاستقلال، أطلقت الجزائر عدة برامج كبرى لحماية الغابات وترميمها: إنشاء الحدائق الوطنية، إطلاق السد الأخضر في سبعينيات القرن الماضي، المخطط الوطني لإعادة التشجير، برامج مكافحة الحرائق، وأخيرًا انطلاقة جديدة لسياسات الترميم الإيكولوجي.
غير أن التطور الأخير للنظم البيئية الغابية يُظهر فجوة كبيرة بين الطموحات المعلنة والنتائج المُلاحظة. فتزايد المساحات المُحصاة رسميًا لا يعكس دائمًا الحالة الإيكولوجية الفعلية للغابات، ولا تنوعها البيولوجي، ولا قدرتها على التجدد، ولا صمودها أمام التغير المناخي.
وقد كشفت الحرائق الكبرى في السنوات الأخيرة هذه الهشاشة. فإلى جانب الكوارث البشرية والبيئية، أظهرت حدود نموذج ظل طويلًا موجّهًا نحو تسيير الأزمة بدل الوقاية وصيانة المساحات الغابية والتكيّف مع المخاطر المناخية الجديدة.
يقترح هذا التقرير تحليلًا نقديًا للسياسات العمومية الرئيسية لإدارة الغابات في الجزائر. فهو يتناول حالة الإرث الغابي، استراتيجيات مكافحة الحرائق، برامج إعادة التشجير، تسيير الفضاءات المحمية، الإطار المؤسسي، ومكانة السكان المحليين في حوكمة الغابات.
والهدف ليس فقط تقييم الإجراءات المتخذة، بل تحليل فعاليتها الحقيقية انطلاقًا من معايير معترف بها اليوم في التسيير المستدام للغابات: الجودة الإيكولوجية للمساحات الغابية، الوقاية من المخاطر، متابعة النتائج، المشاركة الترابية، والقدرة على التكيّف مع التغير المناخي.
يستند هذا التقرير إلى تحليل متقاطع لمصادر مؤسسية وعلمية ووثائقية، بهدف مقارنة الأهداف المعلنة من طرف السياسات العمومية بالنتائج القابلة للملاحظة ميدانيًا.
أهم المصادر المعتمدة هي:
وقد أُولي اهتمام خاص للفوارق المحتملة بين المؤشرات الكمية الرسمية (المساحات المُعاد تشجيرها، نسبة التغطية الغابية، المساحات المحترقة) والمؤشرات النوعية التي تسمح بتقييم الحالة الفعلية للنظم البيئية: نسبة بقاء الغراسات على قيد الحياة، تنوع المساحات الغابية، التجدد الطبيعي، مستوى الحماية الفعلية، والقدرة على الصمود.
قد تتفاوت البيانات المتعلقة بالحرائق والمساحات الغابية حسب المصادر وطرق الإحصاء المعتمدة. وحيثما وُجدت تباينات، يُفضّل التقرير عرضًا مقارنًا للبيانات المتاحة بدل الاعتماد على رقم واحد.
وأخيرًا، يتبنى هذا العمل مقاربة تقييم السياسات العمومية: فهو لا يقتصر على الوسائل المُعلنة أو البرامج المطلقة، بل يركّز على قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة في مجال حفظ الغابات الجزائرية وترميمها.
تُعد الجزائر، بمساحتها البالغة 2.38 مليون كلم²، أكبر بلد في إفريقيا. لكن 84 % من هذه المساحة يغطيها الصحراء الكبرى. وتتركز كل التشكيلات الغابية في الشريط الشمالي، أي نحو 10 % من إجمالي مساحة البلاد. ووفقًا للبيانات الرسمية للمديرية العامة للغابات، يغطي الملك الغابي الوطني 4.1 مليون هكتار — غابات كثيفة ودغل مجتمعة — تضاف إليها ما بين مليون ومليون ونصف هكتار من حقول الحلفاء في المناطق السهبية. وهذا الرقم، المُقدَّم كتقدم مقارنة بـ 3 ملايين هكتار المُسجلة سنة 1962، يستحق تحليلًا دقيقًا لأنه يشمل أدغالًا وشجيرات متدهورة لا تحمل من الصفة الغابية سوى الاسم.
يغطي الملك الغابي الجزائري نحو 4.1 مليون هكتار.1 غير أن هذه المساحة لا تشمل فقط الغابات الطبيعية والغراسات، بل أيضًا نحو 1.9 مليون هكتار من الأدغال والشجيرات. أما المساحات الغابية بالمعنى الدقيق فهي أصغر بكثير. ومن ثم، فإن نسبة التغطية الغابية الرسمية (نحو 11 %) تعكس الملك الغابي في مجمله وليس فقط المساحة المغطاة فعليًا بتشكيلات غابية كثيفة.
تتركز التشكيلات الغابية الجزائرية أساسًا في خمس مجموعات جغرافية-حيوية كبرى. يشكّل التل الرطب والمساحات الساحلية (القبائل، بجاية، جيجل، سكيكدة، عنابة والطارف) المنطقة الأكثر تشجيرًا في البلاد. وتحتضن أهم مساحات الفلين (Quercus suber)، والبلوط الزان (Quercus canariensis)، والبلوط الأفاريسي (Quercus afares)، وهو صنف مستوطن ذو قيمة تراثية كبيرة، إضافة إلى غابات متوسطية مختلطة ذات تنوع بيولوجي مرتفع. وهذه المنطقة هي أيضًا الأكثر عرضة لحرائق الغابات، التي تزايدت وتيرتها وشدتها في السنوات الأخيرة.
أما أطلس التل الأوسط (شرعا، البليدة، المدية، تيسمسيلت) فيهيمن عليه الصنوبر الحلبي (Pinus halepensis) والبلوط الأخضر (Quercus ilex)، تضاف إليهما محليًا مساحات هامة من أرز الأطلس (Cedrus atlantica)، خاصة في الحديقة الوطنية لشرعا. وتتعرض هذه المساحات لضغط متزايد مرتبط بالتوسع العمراني والسياحة والحرائق.
وتشكّل الأوراس والمساحات الشرقية (باتنة، خنشلة، أم البواقي) الموطن الرئيسي لأرز الأطلس في الجزائر، إلى جانب الصنوبر الحلبي والبلوط الأخضر والعرعر. وتؤدي هذه النظم البيئية الجبلية، الواقعة بين 1200 و2300 متر ارتفاعًا، دورًا أساسيًا في حماية التربة وتنظيم الدورة المائية، لكنها تبدو اليوم هشة بشكل خاص أمام الجفاف المتكرر والحرائق والاحترار المناخي.
وتشكّل الهضاب العليا السهبية منطقة انتقالية واسعة بين التل والصحراء. وقد كانت هذه المناطق، المهيمن عليها بسهوب الحلفاء (Stipa tenacissima) والشيح، محل برامج كبرى لإعادة التشجير منذ سبعينيات القرن الماضي في إطار السد الأخضر، اعتمدت أساسًا على الصنوبر الحلبي، بنتائج متفاوتة حسب الظروف الإيكولوجية وممارسات التسيير.
وأخيرًا، يشكّل الأطلس الصحراوي الحد الجنوبي للتشكيلات الغابية المتوسطية. وتكون المساحات الغابية هناك أكثر انفتاحًا وتحمّلًا للجفاف، وتتألف بالخصوص من العرعر، وثويا البربر (Tetraclinis articulata)، والصنوبر الحلبي، والفستق الأطلسي (Pistacia atlantica)، ومحليًا البلوط الأخضر. وتشكّل هذه التشكيلات حاجزًا إيكولوجيًا أساسيًا ضد التصحر وتآكل التربة.
وعلى المستوى الوطني، يبقى الصنوبر الحلبي الصنف الغابي المهيمن. يليه الفلين (نحو 230,000 هكتار)، الذي يمثل في آن واحد إرثًا إيكولوجيًا كبيرًا والمورد الغابي المتجدد الرئيسي بفضل إنتاج الفلين، ثم البلوط الأخضر (نحو 220,000 هكتار)، وأرز الأطلس (قرابة 30,000 هكتار)، وهو صنف رمزي أضعفته الحرائق اليوم، إضافة إلى ثويا البربر ومختلف أصناف العرعر والتشكيلات العديدة من الأدغال المتوسطية التي تميز مراحل تدهور أو انتقال النظم البيئية الغابية الجزائرية.
المعاينة العامة مقلقة: فرغم جهود إعادة التشجير والتواصل المؤسسي الذي يبرز التطور الإيجابي للغطاء الغابي منذ الاستقلال، لا تعكس هذه المؤشرات الكمية بالضرورة تحسنًا في الحالة الإيكولوجية للغابات الجزائرية. ويُخفي تزايد المساحات المغروسة جزئيًا تدهورًا نوعيًا للنظم البيئية، يتميز بتشظي الموائل، وتراجع بعض المساحات الطبيعية، وتراجع القدرة على الصمود أمام الاضطرابات.
وتخضع الغابات الجزائرية لضغوط متعددة ومتراكمة: حرائق متزايدة وترة وشدة، رعي جائر، استغلال غير قانوني للأخشاب، توسع عمراني، تصحر، وآثار متنامية للتغير المناخي. وتُقوّض هذه العوامل قدرة النظم البيئية الغابية على التجدد الطبيعي. وبالتالي، فإن الرهان الرئيسي ليس فقط التطور الكمي للمساحات المشجرة، بل الحفاظ على غابات وظيفية ومتنوعة وقادرة على مقاومة التغيرات البيئية.
تشكّل حرائق الغابات اليوم أحد أهم التهديدات التي تطال الإرث الغابي الجزائري. ففي كل صيف، تتعرض المساحات الغابية في شمال البلاد، ولا سيما في القبائل وشرق الجزائر والمناطق الجبلية للتل، لموجات حرائق تميل شدتها إلى التزايد بفعل تضافر التغير المناخي، وطول فترات الجفاف، وتراكم الغطاء النباتي القابل للاشتعال، وقرب المناطق المأهولة.
ووفقًا للتقديرات الواردة في التقرير المشترك بين البنك الدولي والحكومة الجزائرية الصادر سنة 2023، تبلغ المساحات المحترقة في المتوسط عشرات الآلاف من الهكتارات سنويًا، مع تفاوتات كبيرة حسب الظروف المناخية. غير أن بعض السنوات الأخيرة شهدت حصيلة مرتفعة بشكل استثنائي، ما يكشف الهشاشة المتزايدة للنظم البيئية الغابية وحدود الأجهزة القائمة للوقاية والمكافحة.
| السنة | الهكتارات المدمرة | الضحايا | الولايات المتضررة | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| 2020 | نحو 40,000 هكتار حسب عدة حصائل | — | القبائل، الشمال الشرقي | موسم تميز بتوسع كبير للحرائق، تجاهل للإنذارات |
| 2021 | ما بين 90,000 و100,000 هكتار حسب المصادر | أكثر من 100 قتيل، من بينهم عسكريون | تيزي وزو، بجاية، خنشلة وعدة ولايات شرقية | سنة استثنائية من حيث حجم الحرائق والحصيلة البشرية — غياب طائرات كنادير |
| 2022 | عدة آلاف من الهكتارات (تُقدَّر بـ 30,000 هكتار) | عشرات الضحايا | الطارف، بجاية ومناطق أخرى في الشمال | تأكيد للهشاشة المستمرة للجهاز (استجابة متأخرة — وعود غير منفذة بشأن الطائرات القاذفة للماء) |
| 2023 | عدة آلاف من الهكتارات، خاصة في بجاية | عدة ضحايا | بجاية وعدة ولايات | حرائق مهمة رغم التعزيز «المُعلن» للوسائل |
| 2024 | مئات الهكتارات | عدة قتلى | تيزي وزو، بجاية | تعبئة 800 عون إطفاء — لا تزال لا توجد عقيدة وقائية |
يُظهر تحليل هذه الأحداث أن مسألة الحرائق لم يعد بالإمكان التعامل معها فقط كمشكل تدخل استعجالي. فهي تتعلق أيضًا بقدرة الدولة على تطوير سياسة متكاملة تجمع بين الوقاية، وصيانة المساحات الغابية، وتهيئة الإقليم، والمراقبة، والتكيّف مع التغير المناخي.
من أبرز نقاط الضعف في الاستراتيجية الجزائرية لمكافحة الحرائق الوسائل الجوية المتخصصة. فخلال حرائق صيف 2021 الكارثية، لم تكن الجزائر تملك أسطولًا وطنيًا دائمًا من الطائرات القاذفة للماء يضاهي أساطيل عدة دول متوسطية معرّضة لنفس المخاطر.
وقد حدّ هذا الوضع بشدة من القدرة على التدخل السريع في الحرائق التي تندلع في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها. ولم يسمح اللجوء إلى الوسائل العسكرية والمروحيات والطائرات المستأجرة ظرفيًا دائمًا بمواجهة الحجم المتزامن للحرائق.
وعقب حرائق 2021، أعلنت السلطات عن عدة عمليات اقتناء وتعزيز للوسائل، خاصة شراء طائرات قاذفة للماء. غير أن آجال التنفيذ أظهرت صعوبة بناء قدرة جوية مستقلة بسرعة.
وتُظهر المقارنة مع دول متوسطية أخرى أن المكافحة الفعالة للحرائق لا ترتكز فقط على توفر الطائرات، بل على عقيدة شاملة تجمع بين:
وقد فضّلت الجزائر تاريخيًا مقاربة تركّز على التدخل بعد اندلاع الحريق، في حين يفرض التطور المناخي اليوم الانتقال نحو منطق أكثر استباقية.
كشفت الحرائق الكبرى في السنوات الأخيرة أيضًا الحدود البنيوية لتسيير الغابات. وإذا كانت السلطات تُرجع بانتظام جزءًا من اندلاع الحرائق إلى أفعال إجرامية، فإن هذا التفسير لا يكفي لتفسير تعقيد الظاهرة.
وتنجم الحرائق المتوسطية عمومًا عن تضافر عدة عوامل:
وتتطلب مكافحة الحرائق بالتالي مقاربة تتجاوز البحث فقط عن الأسباب المباشرة لاندلاعها. فهي تستلزم سياسة مستدامة لتسيير المساحات الغابية، ترتكز على الوقاية والترميم الإيكولوجي وتحسين قدرة الغابات على الصمود.
وشكّلت حرائق 2021 كاشفًا كبيرًا لهذه الهشاشة. فإلى جانب الحصيلة البشرية والإيكولوجية، طرحت مسألة الفعالية الشاملة لنموذج حوكمة الغابات الجزائري: نظام ظل طويلًا موجّهًا نحو رد الفعل على الكوارث أكثر من استباقها.
كشفت حرائق صيف 2021 الكارثية عن عدم كفاية الوسائل الجوية المتخصصة في مكافحة حرائق الغابات. وفي ذلك الوقت، لم تكن الجزائر تملك أسطولًا وطنيًا من الطائرات القاذفة للماء يضاهي أساطيل أهم الدول المتوسطية، ما حدّ بشدة من سرعة التدخل في الحرائق الكبرى. ومنذ ذلك الحين، بذلت السلطات جهدًا مهمًا لتعزيز القدرات، بتعبئة طائرات قاذفة للماء من طراز AT-802 وطائرات Beriev Be-200 ومروحيات ثقيلة خلال الحملات الصيفية. غير أن هذا التحديث جاء بعد مآسي 2021 ولا يزال يتمحور أساسًا حول وسائل التدخل. ويشدد المتخصصون في تسيير الغابات على أن السياسة الفعالة ترتكز أيضًا على الوقاية: صيانة المساحات الغابية، إنشاء قواطع الوقود، المراقبة المبكرة، المسالك الغابية، إزالة الأحراش، والتهيئة المستدامة للمساحات الغابية.
منذ الأيام الأولى لحرائق صيف 2021 الكارثية، فضّلت السلطات الجزائرية فرضية الأعمال الإجرامية المنظمة. وقد أشار الرئيس عبد المجيد تبون والوزير الأول ومصالح الأمن علنًا إلى فعل «الأيادي الإجرامية». وإذا كان لا يمكن استبعاد وجود أفعال متعمدة، وقد تبنّتها السلطات في عدة ملفات، فإن هذا التفسير لم يُرفق بإنشاء لجنة تحقيق مستقلة تُكلَّف بتقييم مجمل العوامل التي أدت إلى الحجم الاستثنائي للكارثة. ولم يُنشر أي تقرير خبرة عمومي بشأن المسؤوليات المحتملة المرتبطة بالوقاية من الحرائق، وحالة المساحات الغابية، وأجهزة المراقبة، أو تنسيق عمليات الإغاثة.
واعتبر عدة مراقبين أن تركيز النقاش العمومي على البعد الإجرامي للحرائق همّش المسائل المتعلقة باستعداد مصالح المكافحة، وعدم كفاية الوسائل الجوية المتاحة سنة 2021، وصيانة الغابات، وتكييف السياسة الغابية مع التغير المناخي. غير أن الدراسات المخصصة للحرائق المتوسطية تُظهر أن أخطر الكوارث تنجم عمومًا عن تضافر عدة عوامل: ظروف مناخية قصوى، تراكم الوقود النباتي، هشاشة المساحات الغابية، عدم كفاية التدابير الوقائية، وفي بعض الحالات أفعال متعمدة.
وتُظهر حرائق يوليو 2026 أنه رغم الاستثمارات المُنجزة منذ كوارث 2021، لا تزال الحكومة الجزائرية لم تُطلق سياسة وقاية حقيقية من الحرائق. ففي غضون أيام قليلة، سُجلت مئات الحرائق في أكثر من ثلاثين ولاية، ما استدعى تعبئة متزامنة لوسائل الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات والجيش الوطني الشعبي. ويُظهر هذا الوضع أن تعزيز الوسائل الجوية يشكّل تقدمًا حقيقيًا، لكنه لا يكفي وحده لمواجهة حرائق متعددة على إقليم بهذا الاتساع. كما تُبرز الأحداث الأخيرة أهمية سياسة أكثر توجهًا نحو الوقاية: صيانة المساحات الغابية، تقليص الحمولة القابلة للاشتعال، المراقبة المبكرة، التهيئة الغابية، وتحسين قدرة النظم البيئية على الصمود أمام التغير المناخي.
أُطلق السد الأخضر في بداية سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس هواري بومدين، ويُعد أحد أكبر برامج إعادة التشجير التي شهدتها إفريقيا على الإطلاق. وكان هدفه إنشاء حزام نباتي واسع يمتد على نحو 1500 كيلومتر، يربط الحدود المغربية بالحدود التونسية، بغرض الحد من تصحر الهضاب العليا، وحماية الأراضي الفلاحية في الشمال، وتحسين ظروف عيش السكان الريفيين.
وارتكزت هذه الرؤية على حدس تأكد إلى حد كبير اليوم: مكافحة التصحر تمر عبر ترميم النظم البيئية. غير أن تنفيذ المشروع كشف بسرعة حدود مقاربة تتمحور أساسًا حول غرس الأشجار، دون إدماج كافٍ للواقع الإيكولوجي والرعوي والاجتماعي للأقاليم المعنية.
فضّلت المراحل الأولى من السد الأخضر إلى حد بعيد الصنوبر الحلبي (Pinus halepensis)، وهو صنف متوسطي متأقلم جيدًا مع الأوساط الجافة لكنه استُخدم على مساحات شاسعة وغُرس غالبًا بشكل متجانس. ورغم أن هذا الصنف يتميز بمقاومة جيدة للجفاف، فإن هيمنته قلّصت التنوع الإيكولوجي للغراسات وزادت من هشاشتها أمام الحرائق والآفات، خاصة دودة الصنوبر المُغزلية، وكذا آثار الجفاف الممتد.
غير أن الصعوبات المُسجلة لا تعود فقط إلى اختيار الأصناف. فقد أشار العديد من الباحثين إلى أن كثافات الغرس كانت أحيانًا غير ملائمة، وأن بعض المواقع كانت تعاني من ظروف تربوية غير مواتية، وأن عمليات الصيانة (التخفيف، التشذيب، الحماية من الرعي) كانت غير كافية. وفي غياب تسيير حرجي حقيقي، شهد جزء مهم من الغراسات نسبة نفوق مرتفعة أو نموًا رديئًا.
تعود حدود السد الأخضر أساسًا إلى حوكمته. فقد فضّل هذا البرنامج، المُصمَّم كبرنامج وطني واسع لإعادة التشجير، طويلًا أهدافًا كمية مقاسة بعدد الهكتارات المغروسة، على حساب ديمومة المساحات الغابية.
وقد شجّع ضعف إشراك السكان المحليين، خاصة مربي المواشي في الهضاب العليا، على نشوء صراعات استخدام بين إعادة التشجير والرعي. وقوّض الرعي الجائر والقطع غير الشرعي وقلة المراقبة تجدد العديد من الغراسات. كما أن الانسحاب التدريجي للجيش الوطني الشعبي، الذي كان قد ساهم بشكل كبير في الأشغال الأولى، ثم الصعوبات الأمنية في تسعينيات القرن الماضي، عمّقا هجران العديد من المحيطات، بسبب غياب الصيانة والمتابعة التقنية.
وتُظهر التقييمات المتاحة بالتالي أن النتائج المحققة بقيت أدنى بكثير من الطموحات الأولية. فإذا كانت مئات آلاف الهكتارات قد أُعيد تشجيرها فعليًا على مر العقود، فإن نسب بقاء الغراسات وقدرتها على تكوين نظم بيئية غابية مستدامة تبقى متفاوتة جدًا حسب المناطق.
منذ 2021، أطلقت السلطات الجزائرية انطلاقة جديدة للسد الأخضر قُدِّمت كقطيعة مع المقاربات السابقة. ويركّز البرنامج الجديد على تنويع الأصناف الغابية، وترميم المسارات السهبية، والتكيّف مع التغير المناخي، وتحسين الحوكمة، وإيلاء اعتبار أكبر للسكان المحليين.
وإذا كانت هذه التوجهات تستجيب لأبرز الانتقادات التي وجهها الحرجيون والإيكولوجيون منذ عقود، فإن تنفيذها الفعلي لا يزال صعب التقييم. إذ تركّز الاتصالات الرسمية أساسًا على عدد الهكتارات المبرمجة، وحملات الغرس، والوسائل المالية المُعبّأة، في حين لا تتوفر سوى معلومات قليلة عن نسب بقاء الغراسات، وصيانتها على المدى الطويل، وتجددها الطبيعي، أو مساهمتها الفعلية في ترميم النظم البيئية السهبية.
وفي هذه المرحلة، لا يسمح أي تقييم علمي مستقل بالتأكيد أن الاستراتيجية الجديدة صححت بشكل مستدام مواطن الضعف البنيوية التي حدّت من نتائج السد الأخضر التاريخي: عدم كفاية المتابعة الحرجية، والضغط الرعوي، وضعف إشراك السكان المحليين، وعجز التسيير على المدى الطويل. وبالتالي، تبدو انطلاقة السد الأخضر أقرب إلى برنامج لا تزال فعاليته بحاجة إلى إثبات منها إلى إصلاح باتت نتائجه مؤكدة. ولن تُتيح إلا متابعة إيكولوجية على مدى عدة سنوات تقييم ما إذا كانت هذه المرحلة الجديدة تشكّل انعطافة حقيقية في السياسات الغابية أم أنها تكرر حدود حملات إعادة التشجير السابقة.
أُطلق المخطط الوطني لإعادة التشجير سنة 2000 لفترة عشرين سنة، وكان أحد الأدوات الرئيسية للسياسة الغابية الجزائرية. وكان يهدف بالخصوص إلى إنجاز أكثر من مليون هكتار من الغراسات ورفع نسبة التغطية الغابية الوطنية.
غير أن الحصائل المتاحة تُظهر فجوة كبيرة بين الأهداف الأولية والإنجازات الفعلية. فقد بقيت المساحات المُعاد تشجيرها فعليًا دون التوقعات المُعلنة بكثير، بنحو 500,000 هكتار أُنجزت وفق البيانات التي أعلنتها المصالح الغابية. ولا يشكّل هذا الفارق فشلًا كميًا فقط، بل يكشف أيضًا صعوبات مستمرة مرتبطة بالمتابعة والصيانة وديمومة الغراسات.
ولا يتوقف نجاح برنامج إعادة التشجير على عدد الأشجار المغروسة فحسب، بل على قدرتها على البقاء على قيد الحياة والاندماج بشكل مستدام في النظم البيئية. وفي عدة مناطق، تبقى نسب البقاء منخفضة بسبب الإجهاد المائي والرعي والحرائق وعدم كفاية عمليات الصيانة بعد الغرس.
من أبرز حدود سياسات إعادة التشجير في الجزائر هيمنة مقاربة كمية. فقد فضّلت المؤشرات المعتمدة طويلًا عدد الهكتارات المُعالَجة أو الشتلات المغروسة، في حين أن المعايير الإيكولوجية الأساسية هي بقاء الغراسات، وترميم التربة، والتجدد الطبيعي، وخلق نظم بيئية وظيفية.
وقد تؤدي هذه المقاربة إلى تفضيل عمليات مرئية على المدى القصير على حساب تسيير غابي طويل الأمد. غير أن الغراسة الحديثة لا تشكّل غابة على الفور: فهي تتطلب سنوات عديدة من المتابعة والحماية والتدخلات الحرجية قبل أن تتمكن من أداء وظائف إيكولوجية حقيقية.
وبالتالي، فإن التحدي الرئيسي ليس فقط زيادة الغرس، بل ضمان ديمومة الغراسات القائمة وتكييفها مع الظروف المناخية المحلية.
يرتكز التسيير المستدام للغابات أيضًا على تثمينها الاقتصادي والاجتماعي. وخلافًا لعدة دول متوسطية طورت صناعات خشبية منظّمة، تملك الجزائر اقتصادًا غابيًا لا يزال محدودًا، رغم موارد مهمة مثل الفلين والصنوبر الحلبي وبعض المنتجات الغابية غير الخشبية. فعلى سبيل المثال، منذ أن أُسندت عملية جني الفلين في شكل امتياز ودون متابعة تقنية صارمة، أصبحت من أسباب تدهور قِطَع أشجار الفلين المستغلة.
ويُقلّص هذا التثمين الضعيف من الحوافز الاقتصادية لحماية المساحات الغابية. فنادرًا ما تستفيد السكان الريفية القاطنة قرب الغابات من اقتصاد غابي منظم فعليًا قادر على خلق مصلحة مستدامة في الحفاظ على الموارد.
ولا يمكن بالتالي أن تقوم حماية الغابات على المراقبة الإدارية وحدها. فهي تستلزم أيضًا خلق آليات تسمح للسكان المحليين بأن يصبحوا شركاء في تسيير الغابات، من خلال أنشطة اقتصادية متوافقة مع الحفاظ على البيئة: تثمين الفلين، السياحة البيئية، المنتجات الغابية غير الخشبية، تربية الماشية المنظمة، وترميم المسارات الرعوية.
تضم الجزائر 10 حدائق وطنية في شمال البلاد، تغطي مساحة إجمالية قدرها 165,362 هكتارًا، جميعها تحت وصاية وزارة الفلاحة. سبع منها مصنّفة كمحميات المحيط الحيوي (MAB) من طرف اليونسكو، وهو تصنيف دولي يتناقض بشكل مؤلم مع واقع تسييرها الفعلي. فالحدائق الوطنية الجزائرية لا تزال تواجه ضغوطًا متعددة: الحرائق، التوسع العمراني، البنى التحتية، الاستغلال غير القانوني للموارد، الرعي الجائر، والتردد السياحي غير المضبوط. وتشكّل الفجوة بين صفة الحماية والقدرات الفعلية للتسيير اليوم أحد أبرز مواطن ضعف النظام.
| الحديقة الوطنية | المساحة | محمية MAB | التهديدات الموثقة | مشكل التسيير |
|---|---|---|---|---|
| جرجرة | 18,550 هكتار | نعم | حرائق متكررة، توسع عمراني | قطع غير شرعي، رعي جائر محيطي |
| القالة | 76,438 هكتار | نعم | الطريق السيار شرق-غرب، تلوث المناطق الرطبة، وتوسع عمراني فوضوي | تدمير جزئي بفعل البنية التحتية الطرقية |
| شرعا | 26,250 هكتار | نعم | ضغط عمراني، سياحة غير مضبوطة | محطات سياحية داخل المنطقة المحمية |
| تازة (جيجل) | 3,807 هكتار | نعم | صيد جائر، مطارح عشوائية | ضغط ديموغرافي من المناطق المجاورة |
| بلزمة | 26,250 هكتار | نعم | رعي جائر، قطع غير شرعي | أشجار الأرز مهددة، نقص في المستخدمين |
| تنيات الحاد | 3,425 هكتار | نعم | صيد جائر، محاجر | امتيازات منجمية في المناطق العازلة |
| قوراية | 2,080 هكتار | نعم | توسع عمراني ساحلي، سياحة | ضغط عقاري غير مضبوط |
| تلمسان | 8,225 هكتار | قيد الدراسة | تلوث، فلاحة | تصنيف MAB لا يزال معلقًا |
| الحديقة الوطنية لجبل عيسى | 24,400 هكتار | — | تصحر | — |
| الحديقة الوطنية لبابور-تاباعبورت | 23,000 هكتار | — | — | — |
تشكّل الحديقة الوطنية للقالة أفدح مثال على التناقض بين خطاب الحماية وأفعال الدولة الجزائرية. فهذه الحديقة، الواقعة في أقصى شمال شرق البلاد، تحتضن مناطق رطبة ذات أهمية دولية (مصنّفة رامسار)، وتنوعًا بيولوجيًا متوسطيًا استثنائيًا، وغابات فلين متميزة.
غير أن بناء الطريق السيار الجزائري الجديد شرق-غرب — واجهة الأشغال الكبرى في حقبة بوتفليقة — اخترق هذه الحديقة، مدمرًا بشكل لا رجعة فيه جزءًا من أثمن نظمها البيئية. ويُجسّد هذا القرار سلّم أولويات الدولة الجزائرية: البنية التحتية تعلو على حماية الطبيعة، حتى في المناطق التي يُفترض أنها الأكثر حماية.
ويجب أن يُضاف إلى ذلك أيضًا التوسع الفوضوي وغير المعقول، المركزي من حيث المبدأ لكن المتروك لتقدير السلطات المحلية، والمخالف لأبسط قواعد الأنشطة والبنى التحتية البشرية.
لا يزال التسيير اليومي للحدائق الوطنية يصطدم بقيود مهمة من حيث الموارد البشرية والتجهيزات والوسائل المالية. والمهام المُسندة إلى المسيّرين عديدة: المراقبة، الوقاية من الحرائق، المتابعة العلمية، استقبال الجمهور، مراقبة الاستخدامات، وحماية التنوع البيولوجي.
وفي عدة حدائق، تبقى الضغوط البشرية مهمة: رعي غير مضبوط، قطع غير شرعي، صيد جائر، مطارح عشوائية، وتوسع عمراني. وتعكس هذه الصعوبات أقل ما تعكسه غياب التنظيم، بل عجزًا في الوسائل يحول دون فرض احترام أهداف الحماية بشكل مستدام.
تكمن إحدى الحدود التاريخية لتسيير المناطق المحمية في الجزائر في مقاربة ارتكزت طويلًا أساسًا على التنظيم والرقابة الإدارية. غير أن التجارب الدولية تُظهر أن الحفاظ المستدام على البيئة يتطلب إشراك المجتمعات المحلية.
ويجب ألا يُنظر إلى السكان المجاورين على أنهم مصدر ضغط على المناطق الطبيعية فقط، بل كفاعلين محتملين في حمايتها. ويشكّل تطوير أنشطة متوافقة مع الحفاظ على البيئة — السياحة البيئية، تثمين المنتجات الغابية غير الخشبية، الصناعات التقليدية، تربية الماشية المنظمة، والمشاريع الريفية — شرطًا أساسيًا لبناء علاقة إيجابية بين الأقاليم المحمية وسكانها.
وبالتالي، فإن المسألة المحورية للحدائق الوطنية الجزائرية ليست فقط مسألة الوضع القانوني للحماية، بل قدرة تحويل هذه المناطق إلى أقاليم مُسيَّرة ومراقَبة فعليًا ومندمجة في محيطها الاجتماعي، مع الإبقاء دائمًا على هدف الحفاظ على البيئة كأولوية في الإجراءات المُتخذة.
تشكّل المديرية العامة للغابات المؤسسة المركزية للسياسة الغابية الجزائرية. وهي تحت وصاية الوزارة المكلفة بالفلاحة، وترتكز على شبكة من محافظات الغابات الولائية المكلفة بتنفيذ سياسات حماية المساحات الغابية وتطويرها ومراقبتها.
وتغطي مهامها مجالًا واسعًا جدًا: تسيير الإرث الغابي والحلفائي، مكافحة التآكل، الوقاية من الحرائق، الشرطة الغابية، ترميم المساحات المتدهورة، ومتابعة برامج إعادة التشجير.
غير أن تطور التحديات الغابية وسّع بشكل كبير هذه المسؤوليات. فأمام آثار التغير المناخي، وتزايد خطر الحرائق، والضغط البشري، وحاجات الترميم الإيكولوجي، تبقى المسألة المحورية هي مدى تناسب المهام المُسندة إلى الإدارة الغابية مع الوسائل البشرية والتقنية والمالية المتاحة لها.
يُشرك تسيير الغابات والحرائق اليوم فاعلين عديدين: المديرية العامة للغابات، الحماية المدنية، مصالح الجماعات المحلية، الهياكل البيئية، الجيش الوطني الشعبي في الأزمات الكبرى، إضافة إلى الهيئات المكلفة بتسيير المخاطر.
وهذا التعدد ضروري نظرًا لتعقيد المخاطر الحالية. غير أنه يستلزم تنسيقًا دائمًا وتوزيعًا واضحًا للمسؤوليات. وقد أشارت عدة تحليلات مؤسسية إلى أن صعوبات التنسيق بين الوقاية والمراقبة والتدخل والترميم تشكّل قيدًا مهمًا على فعالية السياسات العمومية.
وبالتالي، فإن التحدي ليس تقليص عدد الفاعلين، بل بناء حوكمة مندمجة تجمع بين الوقاية من المخاطر وتسيير الغابات وتهيئة الإقليم.
تُعلن السلطات الجزائرية منذ عدة سنوات عن إصلاح للإطار التشريعي الغابي بهدف تكييفه مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية الجديدة. ويبدو هذا التطور ضروريًا، إذ تتجاوز التحديات الحالية بكثير مجرد الحماية الإدارية للغابات.
ويجب أن يُدمج الإطار القانوني من الآن فصاعدًا عدة أبعاد جديدة: التكيّف مع التغير المناخي، التسيير التشاركي، تثمين الخدمات البيئية، إشراك السكان المحليين، وتطوير أنشطة اقتصادية متوافقة مع الحفاظ على البيئة.
وتكمن إحدى الحدود التاريخية للتنظيم الغابي في توجهه القمعي أساسًا. وتبقى الشرطة الغابية أداة لا غنى عنها ضد الاعتداءات غير القانونية على الموارد، لكنها لا يمكن أن تشكّل وحدها استراتيجية حفاظ مستدامة. فالسياسات الغابية الحديثة ترتكز أيضًا على آليات التحفيز، والشراكة مع السكان، والتسيير التشاركي للأقاليم.
وبالتالي، لن يتوقف نجاح إصلاح غابي على اعتماد نصوص جديدة فقط، بل خاصة على قدرته على تحويل ممارسات التسيير على أرض الواقع بشكل ملموس.
منذ الاستقلال، ترتكز السياسة الغابية الجزائرية أساسًا على نموذج إداري مركزي تحتفظ فيه الدولة بالدور المهيمن في التخطيط والتنظيم وتنفيذ البرامج.
وقد سمح هذا التنظيم بتنفيذ برامج وطنية كبرى لإعادة التشجير وحماية المساحات الغابية. غير أنه أظهر أيضًا حدوده في الأقاليم التي تتجاوز فيها التحديات قدرات تدخل الإدارة وحدها.
وقد ظلت السكان الريفية القاطنة قرب الغابات طويلًا تُعتبر أكثر كمستفيدة من السياسات العمومية أو كمستخدمين يجب ضبطهم، لا كشركاء في التسيير. غير أن الأبحاث الدولية حول حوكمة الموارد الطبيعية تُظهر أن الحفاظ على البيئة يكون عمومًا أكثر فعالية عندما تشارك المجتمعات المحلية في القرارات وتستفيد مباشرة من حماية النظم البيئية.
تملك الجزائر نسيجًا جمعويًا بيئيًا نشطًا، يتدخل خاصة في التحسيس وحماية التنوع البيولوجي والتعبئة خلال الأزمات الإيكولوجية. غير أن مشاركته في تحديد السياسات العمومية تبقى محدودة.
وغالبًا ما تتدخل الجمعيات في دور مرافقة أو تحسيس أو تنبيه، لكنها نادرًا ما تشارك بشكل مؤسساتي في وضع الاستراتيجيات الغابية، أو مخططات تسيير المناطق المحمية، أو مشاريع التهيئة الكبرى القابلة للتأثير على النظم البيئية.
وبالتالي، فإن التحدي الرئيسي ليس الغياب التام للمجتمع المدني، بل غياب آليات دائمة تسمح بتحويل هذه الخبرة الجمعوية إلى مشاركة حقيقية في القرار العمومي.
قد يكون للإقصاء النسبي للسكان المحليين من حوكمة الغابات آثار عكسية. فعندما تُدرك المجتمعات الريفية الغابة فقط كفضاء خاضع لممنوعات، دون فائدة اقتصادية أو اجتماعية مرتبطة بها، تفقد تدابير الحماية جزءًا من مشروعيتها.
وفي المقابل، تُظهر التجارب الدولية أن إشراك السكان المحليين في المراقبة وترميم الأوساط الطبيعية والتثمين المستدام للموارد الغابية يمكن أن يُحسّن نتائج الحفاظ على البيئة بشكل ملموس.
وفي الجزائر، أظهرت عدة مبادرات محلية أهمية مقاربة تشاركية، خاصة في بعض مناطق القبائل والأوراس. غير أن هذه التجارب تبقى محدودة ولم تُفضِ بعد إلى تحول حقيقي في نموذج الحوكمة.
وستستلزم الحماية المستدامة للغابات الجزائرية بالتالي الانتقال من منطق إداري رقابي أساسًا إلى مقاربة ترابية تُشرك الدولة والجماعات المحلية والجمعيات والمجتمعات الريفية.
يفضي تحليل السياسات العمومية الجزائرية في مجال تسيير الغابات إلى معاينة مقلقة: تملك الجزائر إرثًا طبيعيًا محدودًا لكن استراتيجيًا، وإدارة متخصصة، ومجموعة مهمة من البرامج، وإطارًا تنظيميًا متطورًا. غير أن النتائج المحققة تبقى أدنى بكثير من الطموحات المُعلنة.
ولا يكمن مواطن الضعف الرئيسي في غياب المبادرات، بل في صعوبة تحويل البرامج المُعلنة إلى نتائج مستدامة. فلا يزال تسيير الغابات يتميز بمقاربة غالبًا ما تكون كمية، تتمحور حول المساحات المُعاد تشجيرها أو الوسائل المُعبّأة، في حين أن المؤشرات الحقيقية للنجاح هي بقاء الغراسات، وترميم النظم البيئية، والصمود أمام التغير المناخي، وإدماج الأقاليم المحلية.
وتنبثق من هذا التحليل خمسة اختلالات بنيوية:
وبالتالي، فإن رهان المستقبل ليس فقط زيادة المساحات المشجرة أو مضاعفة برامج الغرس. بل تغيير النموذج: الانتقال من سياسة إدارية أساسًا وقائمة على أهداف كمية، إلى سياسة حقيقية للتسيير المستدام للأقاليم، تجمع بين الخبرة العلمية، والوسائل التنفيذية، والمشاركة المحلية، والتقييم الشفاف للنتائج.
لا تفتقر الغابة الجزائرية إلى الأشجار فقط؛ بل تفتقر بالأخص إلى استراتيجية بعيدة المدى قادرة على ضمان بقائها وتجددها وإدماجها في التوازنات الإيكولوجية والاجتماعية للبلاد.